Follow by Email

mercredi 30 septembre 2015

من مقدِّمة كتاب التَّفسير لسِفرِ أشعيا النَّبيِّ للقدّيس هيرونيموس الكاهن (رقم 1 و2: CCL 73، 1-3) الجهل بالكتاب المقدَّس هو الجهل بالمسيح



إنِّي أرُدُّ مَا أنَا مَدِينٌ به، وأُطيعُ أوامرَ المسيحِ القائل: "تَتَصَفَّحُونَ الكُتُبَ" (يوحنا 5: 39)، وقولَه الآخر: "اطلُبُوا تَجِدُوا" (متى 7: 7)، لكي لا أسمَعَ ما سمِعَه اليهودُ يومًا: "أنتُم فِي ضَلالٍ لأنَّكُم لا تَعرِفُونَ الكُتُبَ وَلا قُدرَةَ الله" (متى 22: 29). إن كانَ المسيحُ، بحسبِ قولِ بولسَ الرَّسولِ، قدرةَ الله وحكمةَ الله، فمَن لا يعرفُ الكتُبَ المقدَّسَةَ لا يَعرِفُ قدرتَه ولا حكمتَه، والجهلُ بالكتابِ المقدَّسِ هو الجهلُ بالمسيحِ.
ولهذا سأقتدي بربِّ العائلةِ الذي يخُرِجُ من كنوزِه جُدُدًا وعُتُقًا، وبالعروسِ القائلِ في نشيدِ الأناشيدِ: "الأشياءُ الحديثةُ والقديمةُ لكَ ادَّخَرْتُها، يا أُخَيَّ" (ر. نشيد 7: 14). سأقدِّمُ أشعيا ليس فقط مثلَ نبيٍّ، بل مثلَ إنجيليٍّ ورسولٍ. قالَ هو عن نفسِه وعن سائرِ الإنجيليّين: "مَا أجمَلَ عَلَى الجِبَالِ أقدَامَ الـمُـبَشِّرِينَ، المبشِّرِين بالسَّلام" (ر. أشعيا 52: 7). وقد خاطبَه اللهُ كما يخاطِبُ الرَّسولَ: "مَن أُرسِلُ، وَمَن ينطلقُ إلى هذا الشَّعبِ؟"، فأجابَ: "هاءنذا، فأَرسِلْني" (ر. أشعيا 6: 8).
ولا يحسَبَنَّ أحدٌ أنِّي أريدُ أن أضَعَ في هذا الكلامِ الموجَزِ ما في هذا السِّفرِ، فهو يحتوي جميعَ أسرارِ الله. إنَّه يتكلَّمُ على عِمَّانوئيل المولودِ من البتولِ، والذي سيصنعُ الآياتِ والأعمالَ العجيبةَ، ثم يموتُ ويُدفَنُ، ويقومُ من مثوى الأمواتِ، فيَعرِفُه الجميعُ مخلِّصًا لجميعِ الشُّعوبِ. وماذا عن الفيزياءِ والأخلاقِ والمنطقِ؟ كلُّ ما في الكتُبِ المقدَّسةِ، كلُّ ما يستطيعُ لسانُ بشرٍ أن يَنطِقَ به، وكلُّ ما يمكنُ أن يُدرِكَه روحُ الإنسان، موجودٌ في هذه الكتبِ. وفي الأسرارِ التي يتضمَّنُها يَشهَدُ من كَتَب: "صَارَتْ لَكُم جَمِيعُ الرُّؤَى كَأقوَالِ كِتَابٍ مَختُومٍ يُنَاوِلُونَهُ لِمَن يَعرِفُ القِرَاءةَ قَائِلِينَ: اقرَأْ هَذَا. فَيَقُولُ: لا أستَطِيعُ لأنَّهُ مَختُومٌ. ثُمَّ يُنَاوِلُ الكِتَابَ لِمَن لا يَعرِفُ القِرَاءةَ، وَيُقَالُ لَهُ: اقرَأْ هَذَا. فَيَقُولُ: لا أعرِفُ القِرَاءةَ" (أشعيا 29: 11- 12).
فإذا بدَا ذلكَ لأحدٍ أنَّه ضعفٌ، فَلْيَسمَعْ ما يقولُ بولسُ الرَّسولُ: "أمَّا الأنبِيَاءُ فَلْيَتَكَلَّمْ مِنهُم اثنَانِ أو ثَلاثَة، وَلْيَحكُمِ الآخَرُونَ. وَإن أُوحِيَ إلَى غَيرِهِم مِن الحَاضِرِينَ فَلْيَصمُتِ المُتَكَلِّمُ" (1 قورنتس 14: 29- 30). لأيِّ سببٍ يمكنُ أن يصمُتَ؟ إنَّ الرُّوحَ هو الذي يتكلَّمُ بالأنبياءِ، وهو الذي يصمُتُ أو يَنطِقُ. وإذا فَهِموا ما يقولون، وجدوا كلَّ شيءٍ مملوءًا بالحكمةِ والفَهم. فليسَ ما يصلُ إلى آذانِهم ضجيجًا مَا ، بل اللهُ هو المتكلِّمُ في أذهانِ الأنبياءِ، بحسبِ ما قالَ النَّبيّ: "إنَّ ملاكًا كانَ يكلِّمُني" (ر. زكريا 1: 9)، وأيضًا: "الرُّوحُ ينادي في قلوبِنا: أبًا، أيُّها الآب" (ر. غلاطية 4: 6)، وأيضًا: "إنِّي أسمَعُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الله" (مزمور 84: 9).