Follow by Email

jeudi 24 septembre 2015

من مواعظ القديس أغسطينس الأسقف في الرعاة (العظة 46، 24- 25 و27: CCL 41، 551-553) أرعَى خرافي في المراعي الخصبة


    "وَأُخرِجُهَا مِن بَينِ الشُّعُوبِ وَأَجمَعُهَا مِنَ الأرَاضِي، وَآتِي بِهَا إلَى أرضِهَا، وَأَرعَاهَا عَلَى جِبَالِ إسرَائِيلَ" (حزقيال 34: 13). عَنَى بالعبارةِ "جبالِ إسرائيل" كُتَّاَبَ الكُتُبِ المقدَّسة. يقول: ارعَوْا هنا فتَرعَوْا بأمان. وكلُّ ما سمِعْتُموه هنا تذوَّقُوه وافهَمُوه جيِّدًا. وما كان من الخارج، فانبِذُوه. لا تَتِيهوا في الضَّباب. اسمَعُوا صوتَ الرَّاعي. تجمَّعوا على الجبالِ أي حولَ الكُتُبِ المقدَّسة. فيها مَسَرَّاتُ قلبِكم، لا شيءَ فيها سامٌّ، ولا شيءَ غريب. بل هي مراعٍ خَصْبَةٌ جدًّا. أيُّها الخرافُ المعافاة، تعالَوْا، أنتُم الخرافَ المعافاة، فقط، تعالَواْ وارعَوْا على جبالِ إسرائيل.
    "وفي الأوديةِ وفي جميعِ مساكنِ الأرض" (ر. حزقيال 34: 13).  من الجبالِ التي ذكَرْناها انحدرَتْ أنهارُ الكرازةِ الإنجيليّة، فذاعَ "صَوتُهُم فِي الأرضِ كُلِّهَا" (ر. مزمور 18: 5). فَأصبَحَتْ جَمِيعُ مَسَاكِنِ الأرضِ نَضِيَرةً وَخَصْبةً للخرافِ التي تَرعَى.
    "فِي مَراع خصيبةٍ أرعَاهَا، وَفِي جِبَالِ إسرَائِيلَ العَالِيَةِ يَكُونُ مَرعَاهَا" (حزقيال 34:14)، أعني هناك يَقِيلون وهناك يقولون: "هذا مكانُ نعيم"، وهناك يقولون :" هذا حقٌّ، وواضحٌ، ولَسْنا على خطأ". يستريحون في مجدِ الله كما في مساكِنِهم. وينامون، أي يستريحون، "ويستريحون في المسرَّاتِ الصَّالحة".
    "وَتَرعَى فِي مَرعًى دَسِمٍ عَلَى جِبَالِ إسرَائِيلَ" (حزقيال 34: 14).  قلْتُ إنَّ جبالَ إسرائيلَ هي جبالٌ صالحة، نرفعُ أعينَنا نحوَها ليأتِيَنا العونُ منها. ولكنَّ عونَنا هو من الله الذي صنعَ السَّماءَ والأرض. ولهذا حتى لا نضعَ رجاءَنا في هذه الجبالِ الصَّالحةِ عندما قال: " أرعَى خِرَافِي عَلَى جِبَالِ إسرَائِيلَ"، وحتى لا تبقى أنتَ على الجبال، أضافَ حالا: "أنَا أرعَى خِرَافِي" (حزقيال 34: 15). ارفَعْ عينَيْكَ نحوَ الجبالِ من حيث يأتيكَ العون، ولكنِ اسمَعهْ يقول: "أنا أرعاها"، لأنَّ عونَك هو من "الربِّ الذي صنعَ السَّماءَ والأرض".
    ويُنهي هكذا: "وَأرعَاهَا بِعَدلٍ" (حزقيال 34: 16). انظُرْ، هو وحدَه الذي يَرعَى هكذا، هو الذي يَرعَى بالعدل. لأنَّه مَن هو الإنسانُ الذي يَقدِرُ أن يَدِينَ الإنسان؟ الأحكامُ الباطلةُ تملأُ كلَّ شيء. قد نيأسُ من إنسانٍ، وإذا به يرتدُّ فجأةً ويصبحُ أفضلَ النَّاس. وقد نعلِّقُ الآمالَ على آخَرَ، وإذا به يَكبُو فجأةً ويُصبِحُ أسوأَ النَّاس. فلا خوفُنا أكيدٌ، ولا حبُّنا أكيد.
    وعلى أيِّ حالٍ يكونُ كلٌّ منَّا اليوم؟ بصعوبةٍ نعرِفَ ذلك. قد يعرفُ الواحدُ منّا عن نفسِه بعضَ الشَّيءِ اليومَ. أمَّا ماذا يكونُ في الغدِ، فهو نفسُه لا يعرفُ. أمّا هو فيَرعَى بعدلٍ إذ يُعطِي ممَّا له لِمَن هم له: يعطي هذا لهذا وذاك لذاك، ويُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، هذا أو ذاك. فهو يعرفُ ماذا يَصنعُ:  يَرعَى بعدلٍ مَن سبَقَ وعَرَفَهم ثم فَداهم. ولهذا هو وحدَه يَرعَى بعدل.